Yahoo!

كيف نفهم أزمة الرهن العقاري -أحمد الرواس-

نوفمبر 12th, 2011 كتبها أحمد الرواس نشر في , مقالات اقتصادية

كيف نفهم أزمة الرهن العقاري

التي تسببت في أكبر انهيار اقتصادي و مالي(III)

-أحمد الرواس-

 بعد أن تحدثت بشيء من التفصيل عن ركيزتين أساسيتين في الإقتصاد العالمي و الأمريكي على وجه الخصوص و هما ورقة الدولار و احتياطات الذهب،و بينت طرق التلاعب و المضاربة التي تجني منها أمريكا و إلى حد ما بعض الدول الغربية المرتبطة بها تريليونات الدولارات، و كيف أن حجم الاقتصاد الأمريكي هو أقل بكثير مما هو متداول في الأوراق التي تدار بها حركة التجارة العالمية حول العالم، و أمطت اللثام عن طبيعة الوهم الذي أصبح الاحتياط الحقيقي الذي عوض الذهب و حرص أمريكا و الدول المرتبطة بها على إبقاء فقاعته ماثلة للعيان متلألئة في الأجواء لأن انفجار تلك الفقاعة قد يؤذن بأفول نجم الاقتصاد الأمريكي. بعد كل هذا و غيره أعود لأناقش مع قرائي الأعزاء طبيعة الأزمة الاقتصادية الأخيرة و التي عرفت باسم أزمة الرهن العقاري في أمريكا و التي انهارت فيها مؤسسات عملاقة جدا مثل مؤسسسة ليمان براذرز العريقة و التي استطاعت أن تتجنب الانهيار في أشهر أزمة اقتصادية و انهيار مالي في أمريكا و هي أزمة 1929. لكنها اضمحلت في الأزمة الحالية. فما سبب هذه الأزمة و ما طبيعتها ؟

هذه الأزمة جاءت نتيجة لانفجار الفقاعة الهوائية  للرهن العقاري و كل عمليات التنويع الربوي  التي تناسلت و ساهمت في نفخ تلك الفقاعة و البلوغ بها إلى نقطة الانفجار الحتمية.

بعد انكماش الفقاعة الإلكترونية أو ما عرف بفقاعة ضوت كوم ! (the dot come bubble)  و التي كانت قد بدأت عند مطلع عام 2000 و قد أثـْـرت في ظلها عشرات الشركات العملاقة العاملة في مجال الإنترنيت ثراء فاحشا.

بعدها ظهرت في الأفق البوادر الأولى لفقاعة الرهن العقاري بعد أن أقبل الناس فرادى و زرافات على شراء المنازل التي توفرها الشركات العقارية المرتبطة ببنوك متنافسة  توفر قروضا سخية ، و أصبح حتى الأمريكيون ذوو الدخل المحدود و الغير دائم يحلمون بامتلاك منازل فارهة لهم و لأبنائهم، طالما أنهم لن يدفعوا في المقابل إلا كما كانوا يدفعون في تأجير الشقق التي يعيشون فيها.و بدأ المشترون الجدد يحلمون بالوقت التي يستوفون فيه ما عليهم دفعه من الأقساط الشهرية لتصبح المنازل في كامل ملكيتهم، و أخذوا يقدرون أنه كل قسط شهري أو سنوي يدفعونه إلا هو بمثابة تملكهم لجزء من البيت الذي به يحلمون ! و ظهر في المجتمع الأمريكي حماس منقطع النظير للإقبال على الشركات العقارية التي كانت تربطهم بالبنوك المنافسة في الإقراض بفوائدة عالية ! ثم بدا لتلك البنوك أن تستغل الظرف الذي لا يتكرر كثيرا، فلم تكتف بجني الفوائد المرتفعة التي رتبتها على أولئك الأمريكيين البسطاء بل قامت بتوليد عملية تجارية أخرى أساسها الفوائد التي تثقل كاهل المشتري، فحولت ديونهم إلى أسهم و قامت بالترويج لها ثم باعتها للمستثمرين الذين يريدون أن يأخذوا نصيبهم من تلك الضحية، - محولة المخاطر إليهم-و قد أدى هذا الإقبال إلى أن يزدهر العقار وارتفعت أثمانه في الأسواق مما قضى على تردد المترددين من الانخراط في سوق الرهن العقاري، فارتقعت الأثمان أكثر فأكثر و ازداد الرواج في ذلك القطاع بشكل غير معقول  مما حدا بالمستثمرين في تلك الديون أن يرهنوا أسهمهم لدى بنوك أخرى منافسة فحصلوا على قروض إضافية أخرى لشراء مزيد من الأسهم العقارية ! و المشكلة هي أن كثيرا من البنوك دفعها شرهها و حمى المنافسة الشرسة إلى إغراء المستثمرين بسخاء في الإقراض بلغ أحيانا إلى 50 ضعفا من قيمة الرهن الذي يحصلون عليه من المستثمرين !

ثم إن الذين أكملوا سنتهم الثالثة في دفع الأقساط بنجاح قام كثير منهم برهن جزء من البيت الذي فيه يدفعون، لدى بنوك أخرى و حصلوا في مقابل ذلك على قروض إضافية لحاجاتهم الأخرى كالعطل و السيارات الجديدة .

و دخلت شركات التأمين على الخط، فقد اصطادت المتخوفين من أي انهيار مفاجئ أو أي انفجار لتك الفقاعة الواقعة في مهب عواصف الجشع و المغامرات الطائشة،  فروجوا لعروضهم التأمينية على الأسهم، فكل من يخاف أن تنهار قيمة الأسهم في يديه عليه أن يدفع لشركات التأمين قدرا معينا من الدولارات على كل سهم، فإذا ما انهارت أسعار الأسهم أخذوا تعويضا مساويا لقيمتها في السوق قبل الانهيار !

و هكذا نرى بوضوح تام أن كل تلك العمليات التجارية و المضاربات المالية قد تولدت عن بيع الدين الأصلي الذي هو في ذمة ذلك الموظف أو العامل البسيط ثم تناسل بعد أن ولّدت منه الشركات المضاربة ديونا أخرى و باعتها في الأسواق المالية و أسواق القيم. و هكذا أصبح الكل يتوهم أن ذلك البيت الذي تورط ذلك العامل البسيط أو الموظف في شرائه هو بيته فالعامل يحلم بأنه بيته و الشركة العقارية ترى أنها تملك البيت ما دام المشتري لم يستوف بعد سداد ديونه و فوائدها المتناسلة، و البنك الذي أقرض المال يحسب أن البيت بيته ما لم يستوف كل الديون، و المستثمرون الحاملين لأسهم ذلك الدين الذي اشتروه في صورة أسهم يعتقدون أن هناك بيتا في مكان ما يدعم تلك الأسهم، و الذي أقرض المغامرين الذين رهنوا أجزاء من بيوتهم الافتراضية يعتقدون أن هناك بيتا ما يدعم تلك القروض ! و هكذا تنوعت الحيل و العلة واحدة و هي بيع الدين بالدين و هو من أشد أنواع البيوع تحريما في الإسلام لما يترتب عليه من مفاسد و ضياع للحقوق و أكل لأموال الناس بالباطل.

و لكي نفهم مدى عمق المشكلة و آثارها على الاقتصاد ليس الأمريكي وحده بل العالمي، فإن الذين اشتروا تلك الديون من المستثمرين لم يكونوا أمريكيين فحسب بل كان فيهم مآت الآلاف من المستثمرين الأجانب بمن فيهم مستثمرين عرب خصوصا الخليجيين منهم. و لذلك فعندما انفجرت فقاعة الرهن العقاري على الأرض الأمريكية و أطاح زلزالها بصروح اقتصادية عاتية فإن الاهتزازت الارتدادية قد صدعت جدران كثير من الكيانات الاقتصادية للمستثمرين الأجانب.

كيف انفجرت تلك الفقاعة؟ نرجع إلى الأصل الذي هو ذلك الموظف الأمريكي أو العامل  البسيط  الذي أغرته تلك الشركات العقارية و ما في خدمتها من بنوك، فجزء من المشكلة هو أن ذلك العامل البسيط لم يعر تلك الشروط و الوثاقات التي يتضمنها عقود الحصول على القرض العقاري،خصوصا و هي في الغالب تكتب بحروف دقيقة متزاحمة تنفر القارئ منها ! و ما كان يهم أولئك المقترضين هو أن تكون الأقساط الشهرية التي سيكون عليهم دفعها لتلك البنوك مساوية أو

المزيد


من يحدد سعر الذهب في العالم ؟ الكاتب: أحمد الرواس

نوفمبر 5th, 2011 كتبها أحمد الرواس نشر في , مقالات اقتصادية

 أمريكا و التلاعب بأسعار الذهب و العملة

إلى أين يقود الغرب العالم؟(II)

-أحمد الرواس-     

في الحلقة الأولى من هذه السلسة من البحوث الاقتصادية في الأسباب الحقيقية و الخفية وراء الأزمات الاقتصادية الكبرى التي تجتاح أمريكا و كثيرا من البلدان تبعا لها ركزت على تداعيات فك ارتباط الدولار بالذهب كقيمة داعمة له، و ركزت على الطرق الماكرة التي ينتهجها أباطرة الاقتصاد الأمريكي للتعويض عن الأضرار الناجمة عن مثل هذا القرار الخطير الذي خرجت به أمريكا سنة 1973 ، و بينت كيف أصبحت جل دول العالم في أسر الورقة الخضراء الفاقدة لأي دعم من الذهب ، و  في الحلقة الثانية أركز على موضوع يعتبر أمرا خفيا عند كثير من الدارسين لهذا الحقل و هو طرق تحكم الحكومة الأمريكية أو اللوبيات الاقتصادية الأمريكية على وجه الدقة في سعر الذهب صعودا و نزولا.إذن دعوني أسأل هذه الأسئلة: -هل تقوم الحكومة الأمريكية أو أباطرة الاقتصاد الأمريكي بالتدخل فعلا في تسعير الذهب؟ و لأية أسباب اقتصادية  يتم اللجوء إلى مثل هذا التدخل المدان قانونيا حتى طبقا للدستور الأمريكي؟    

-و ما هي الطرق الخفية أو الملتوية  التي تنتهجها الحكومة الأمريكية في اللعب بأسعار الذهب العالمية؟   

- و ما هي الجهات التي تباشر مثل هاته التدخلات ؟   

الولايات المتحدة الأمريكية أو أي من البنوك المركزية لا تعلن أو تعترف جهارا بالتلاعب و المضاربة في أسواق الذهب، و لكن آثار التلاعب المدعومة بعشرات المخالفات بينة لكل متتبع للشأن الإقتصادي الأمريكي و المساير لحركات الأسواق الأمريكية و العالمية.و قبل كشف اللثام عن الوجه الماكر و الملتوي الذي تسلكه الولايات المتحدة للتأثير على أسعار الذهب دعوني أسجل ملاحظة غريبة قد يتفاجأ بها كثير من القراء الكرام، و هو أن أمريكا برغم أنها تملك ربما أكبر احتياطي من الذهب في العالم و الذي يتجاوز  31ألف طن إلا أنها تتصرف دائما كعدوة لهذا المعدن النفيس ! فهي في الغالب تتدخل لأجل تخفيض ثمنه في الأسواق ! فما سبب ذلك؟    

الجواب هو أن هناك قانون مالي واقتصادي يشبه في اطراده و تواتر آثاره قانون "العرض و الطلب" الذي لا يكاد يتخلَّف ، و هذا القانون هو أن سعر الذهب يتحرك عكسيا-بأثر رجعي- مقابل سعر صرف الدولار ! فإذا ما ارتفع سعر الذهب إنخفض في المقابل سعر صرف الدولار. و الأهم من هذا عند الحكومة الأمريكية هو ما يترتب على انتشار خبر ارتفاع ثمن الذهب من آثار سلبية جدا على الاقتصاد الأمريكي ككل بسبب انتشار خبر ضعف الدولار و آثاره المدمرة على الاقتصاد الأمريكي. ! و هذا حسب تقديري له دلالاته العميقة في معرفة طبيعة الاقتصاد الأمريكي و العالمي و هو أن ما يهم أمريكا أكثر هو المحافظة على استقرار عملتها الورقية  و إبقاء سمعتها عالية في الأسواق و هذا قد يشي بأن كمية الأوراق المالية من الدولار الأمريكي تفوق بكثير في قيمتها المفترضة و المصطنعة ما تتوفر عليه أمريكا من احتياط الذهب. و هكذا و بعد أن فكَّت أمريكا ارتباط الدولار بالذهب أصبحت ساهرة بكل الوسائل المعلنة و الغير معلنة على دوام استقرار عملتها و الحرص على عدم اهتزاز ثقة الناس بها ، و هكذا فإن أمريكا تصنع الوهم و تطيل أمده حتى لا يفتضح،و كلما ظهرت بوادر زوال عتمة ذلك الوهم كلما ضاعفت من وضع الغشاوات على العيون، فالوهم عنصر أساسي هو في آثاره الاقتصادية المباشرة بمثابة الرصيد الاحتياطي الذي يعوض الذهب في دعم الدولار، و تنشيط الاقتصاد !   

فما هي إذن الطرق الخفية و الملتوية للتأثير على سعر الذهب؟    

بعد جهد مضني استغرق مني الساعات الطوال في قراءة  نخبة من عشرات المقالات الاقتصادية الأمريكية المتخصصة  و الدراسات المطولة و التقارير التي أصدرتها بعض المعاهد الأمريكية الغير حكومية خلصت إلى نتائج أضع ملخصاتها في النقاط التالية، مساهمة مني في زيادة مساحة الوعي بعالمنا عند إخواني المسلمين و العرب، و معرفة طبيعة صراعاته الاقتصادية و المالية و غيرها ، اختصارا لوقت القراء الكرام . 

1-  يعد صندوق استقرار العملات (Exchange Stabilisation Fund or ESF) الرائد الذي يقود التدخل الأمريكي في أسواق الذهب، لكن نشاطاته تكون عبر وكلاء يخفون آثار أقدامه ،و ليس بالشكل المباشر سواء في التلاعب بسعر العملات أو سعر الذهب، تقوم هذه المجموعة و غيرها ببسط طلباتها للبيع أو الشراء بين يدي البنك الاحتياطي الفدرالي لمدينة نيويورك الذي ينجز كل التدخلات المطلوبة لصالح حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، و لصالح بعض البنوك المركزية الدولية ذات الصلة.و تصبح تلك الطلبات موضع الدراسة في الساعات الأولى للدوام. و تتوارى طلبات الحكومة وراء مجموعة طلبات أخرى لبعض البنوك و المؤسسات و لا تتعرى إلا عندما تكون طلباتها كبيرة و ذات منحى واحد حينها تغمر قوى السوق العادية، و يظهر تأثيرها.  

2- تنتظر العمليات التجارية لبيع  و شراء الذهب حتى إقفال أسواق الذهب بلندن ، و السبب هو أن سوق لندن يتاجر بالذهب الحقيقي بينما تتاجر الأسواق الأمريكية بوعود ورقية بدفع الذهب ! فهناك فرق شاسع ما بين سوق لندن و سوق نيويورك إذن. وبسبب الفرق الزمني فإن وقت إقفال البنوك في بريطانيا يكون وقت الزوال في نيويورك، و بالتالي تبدأ العملية –المتاجرة بالذهب- بعد الزوال لتفادي افتضاح اللعبة .فمن السهل التلاعب بالأوراق و ما كتب عليها – كما هو دأبها في التلاعب بأسعار صرف العملة لأن كل ما على الحكومة فعله هو إصدار وعود كرطونية فارغة بدفع الذهب ، مع توفير كميات زهيدة في الأسواق لذر الرماد في العيون.و بما أن أغلب العمليات التجارية لا يتم التسليم فيها بالبضاعة مباشرة و إنما يتم تدوير تلك الأوراق الحاملة لتلك الوعود في أشكال أخرى من النشاطات في أسواق القيم و العملات ، أو استعمالها أو حتى بيعها كرهون للحصول على عائدات تنخرط في نشاطات أخرى،فإن أمريكا تحصل عمليا على عائدات تلك الوعود دون أن تضطر إلى الوفاء بها بالفعل ! بل قد لا يكون لديها كل الكمية التي تدعي في الاحتياط. كما سنرى خلال هذه الحلقة،قد يقول قائل ماذا لو أن كل الذين اشتروا الذهب من حكومة الولايات المتحدة  و من بنوكها المركزية أو بعبارة أصح إشتروا وعودا بذلك مكتوبة على أوراق رسمية معتمدة ، ما ذا لو أنهم جميعا أصروا على تسلم الذهب البخس الثمن؟ و الجواب سهل خلافا لما يتوقعه الكثيرون ولا شك، و هو أن الحكومة الأمريكية و خزينتها و بنوك احتياطها تلعب لعبة الاحتمالات ! التي تظهر أن الغالبية الكبرى من المشترين ليسوا في حاجة إلى تسلم الذهب بالفعل و معاينته و التملي بهيئته البراقة ! بل من المريح لرجال الأعمال و سماسرة أباطرة الاقتصاد الأمريكي أن يختصروا كل ذلك الجهد في تداول أوراق رسمية ذات سمعة في الوسط المالي الأمريكي و العالمي، فما يهم مشتروا الذهب هو أن يثروا الثراء الفاحش من توليد عمليات تجارية تدفق على أرصدتهم مزيدا من الفوائد و تكسبهم مزيدا من الأرباح، و طالما أنهم يستطيعون ذلك من خلال تلك الأوراق المختو

المزيد


ما هي الأسباب الحقيقية وراء الانهيارات الاقتصادية المتوالية – أحمد الرواس

نوفمبر 2nd, 2011 كتبها أحمد الرواس نشر في , مقالات اقتصادية

 

إلى أين يتجه عالمنا

في ظل تداعي الانهيارات الاقتصادية المخيفة?(1)

-أحمد الرواس-

 

من القضايا التي يقف الناس حولها مندهشين مسألة الأزمات الاقتصادية الحادة التي تطفو على السطح من حين لآخر، و يسري تأثيرها المدمر كما تسري النار في الهشيم فتبدأ في بلد يبعد آلاف الأميال لكنها سرعان ما تلفح نارها الملتهبة الوجوه في دول وراء البحار و المحيطات. و أغلب الناس لا يفهمون سر هذه الأزمات بل حتى الذين نشبت بين ظهورهم نارها يلتبس عليهم أمرها و تخفى عليهم أسبابها الحقيقية .

ففي سنة 2008 تفجرت أزمة مالية واقتصادية كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية على غير موعد و قد كانت تنعم في الازدهار الاقتصادي و ترفل في عز الدولار و قوته و رواج الأسهم و أرباحها،و عرف قطاع العقار رواجا و تطورا منقطع النظير، و در على أصحابه الملايير في فترات قياسية، و فجأة بدأت كبار الشركات الاستثمارية و البنوك تنهار واحدة بعد الأخرى و فجأة تتحول تلك الطفرة الاقتصادية إلى كساد و بوار اقتصادي اختفت معه من السوق تريليونات الدولارات و كأنها قد تبخرت تبخرا و انمحقت انمحاقا.و إذا ببلدان في أقاصي الأرض تصيبها العدوى فتفقد أسواق القيم فيها بلايين الدولارات مثل دول الخليج و اليابان و دول أوربية كثيرة مثل أيرلندا و البرتغال و إسبانيا و اليونان.

تذكرنا هذه الأزمة الحالية بالأزمة الكبرى لعام 1929 و التي فقدت القيم و الأسهم أكثر من 90 في المائة من قيمتها و أدت إلى إفلاس المآت من الشركات.فما هي إذن أسباب مثل هذه الأزمات؟

و كيف تؤثر في الدول الأخرى؟ و كيف السبيل إلى الوقاية منها؟ و هل هي أزمات تلقائية أم مفتعلة ؟

و هل للتعامل بالربا دور في مثل هذه الأزمات؟ و لماذا لم تتأثر كثيرا البنوك الإسلامية بهذه الأزمة بل حققت كثير من البنوك الإسلامية أرباحا ملموسة في الوقت الذي كانت كبار المؤسسات المالية في أمريكا مثل ليمن براذرز تعلن إفلاسها أو تستجدي دعم الحكومة الأمريكية؟

و ما مدى حقيقة مطالبة كثير من الجهات و الخبراء الاقتصاديين باعتماد معايير الاقتصاد الإسلامي و تطعيم النظام المالي العالمي به؟

سأحاول في هذه السلسلة من المقالات أن أجيب على هذه الأسئلة و أحاول أن أوضح لرواد هذه المدونة الكرام بعض الجوانب المظلمة في النظام الرأسمالي، و المخاطر التي تهدد كل الاقتصاديات المرتبطة به خصوصا تلك الدول العربية التي تسعّر عملتها بالدولار مثل معظم دول الخليج.

جذور الأزمات الاقتصادية  تكمن في النظام الرأسمالي نفسه، فهو نظام يميزه التسيب و يخدم عادات سيئة تضر بالمجتمع مثل صفة الشره الشديد و الإخلال بالمنافسة الشريفة و تكريس قانون الغاب في الأسواق المالية و التجارية، فالغلبة في الأسواق الرأسمالية تكون دائما للأقوى، و الأقوى في فلسفة الرأسمالي المادي هو الأصلح، و الأجدر وجودا، فكلما كانت بضاعتك في تلك الأسواق ضعيفة كلما عوملت بالإسفاف و ألامبالاة و كلما سهل على الشركات العملاقة ابتلاعك أو تركك لمصيرك المحتوم الذي هو البوار المحقق أمام مخالب الوحوش الكاسرة و المتصارعة في الأسواق.

من خلال استقراء مسيرة النظام الرأسمالي خلال القرن الماضي تتبدى للعيان أمامنا تلك المحاولات الأولى لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية –رائدة النظام الرأسمالي- للتحايل على الدول الأخرى و الاستيلاء على ثروات الناس من خلال تفصيل آليات تخدم هذا الشره الرأسمالي الأمريكي ، و في هذا الصدد قامت الولايات المتحدة بإنشاء ما سمي ب بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي أو Federal Reserve   أواخر سنة 1913 و أصبح لهذه الخزينة 12 فرعا في المدن الرئيسة بالولايات المتحدة  الأمريكية، و ينص نظامها الأساسي على أنها أنشئت للسهر على المصالح العامة للشعب الأمريكي و المصالح الخاصة للبنوك و الشركات، كما أنها تقوم –حسب القانون المؤسس على تنظيم إدارة الأسهم و العمل على استقرار الأسعار و ضبط التضخم.و الإشراف على حركة البنوك ،لكن أهم دور فعال تقوم به الخزانة العامة هو طباعة أوراق الدولار …و الغريب في الأمر أن هذه الخزينة العامة أو البنك المركزي الأمريكي هو مؤسسة خاصة و ليست عامة، أي أن طباعة العملة الأمريكية و كمية الأوراق المطبوعة يتم التحكم فيها من قبل رؤساء بنوك خاصة. و بالتالي فهي عبارة عن شركة استثمارية تقوم بطبع العملة و الحصول في مقابل ذلك على أرباح خيالية مباشرة، و أر

المزيد