كيف نفهم أزمة الرهن العقاري
التي تسببت في أكبر انهيار اقتصادي و مالي(III)
-أحمد الرواس-
بعد أن تحدثت بشيء من التفصيل عن ركيزتين أساسيتين في الإقتصاد العالمي و الأمريكي على وجه الخصوص و هما ورقة الدولار و احتياطات الذهب،و بينت طرق التلاعب و المضاربة التي تجني منها أمريكا و إلى حد ما بعض الدول الغربية المرتبطة بها تريليونات الدولارات، و كيف أن حجم الاقتصاد الأمريكي هو أقل بكثير مما هو متداول في الأوراق التي تدار بها حركة التجارة العالمية حول العالم، و أمطت اللثام عن طبيعة الوهم الذي أصبح الاحتياط الحقيقي الذي عوض الذهب و حرص أمريكا و الدول المرتبطة بها على إبقاء فقاعته ماثلة للعيان متلألئة في الأجواء لأن انفجار تلك الفقاعة قد يؤذن بأفول نجم الاقتصاد الأمريكي. بعد كل هذا و غيره أعود لأناقش مع قرائي الأعزاء طبيعة الأزمة الاقتصادية الأخيرة و التي عرفت باسم أزمة الرهن العقاري في أمريكا و التي انهارت فيها مؤسسات عملاقة جدا مثل مؤسسسة ليمان براذرز العريقة و التي استطاعت أن تتجنب الانهيار في أشهر أزمة اقتصادية و انهيار مالي في أمريكا و هي أزمة 1929. لكنها اضمحلت في الأزمة الحالية. فما سبب هذه الأزمة و ما طبيعتها ؟
هذه الأزمة جاءت نتيجة لانفجار الفقاعة الهوائية للرهن العقاري و كل عمليات التنويع الربوي التي تناسلت و ساهمت في نفخ تلك الفقاعة و البلوغ بها إلى نقطة الانفجار الحتمية.
بعد انكماش الفقاعة الإلكترونية أو ما عرف بفقاعة ضوت كوم ! (the dot come bubble) و التي كانت قد بدأت عند مطلع عام 2000 و قد أثـْـرت في ظلها عشرات الشركات العملاقة العاملة في مجال الإنترنيت ثراء فاحشا.
بعدها ظهرت في الأفق البوادر الأولى لفقاعة الرهن العقاري بعد أن أقبل الناس فرادى و زرافات على شراء المنازل التي توفرها الشركات العقارية المرتبطة ببنوك متنافسة توفر قروضا سخية ، و أصبح حتى الأمريكيون ذوو الدخل المحدود و الغير دائم يحلمون بامتلاك منازل فارهة لهم و لأبنائهم، طالما أنهم لن يدفعوا في المقابل إلا كما كانوا يدفعون في تأجير الشقق التي يعيشون فيها.و بدأ المشترون الجدد يحلمون بالوقت التي يستوفون فيه ما عليهم دفعه من الأقساط الشهرية لتصبح المنازل في كامل ملكيتهم، و أخذوا يقدرون أنه كل قسط شهري أو سنوي يدفعونه إلا هو بمثابة تملكهم لجزء من البيت الذي به يحلمون ! و ظهر في المجتمع الأمريكي حماس منقطع النظير للإقبال على الشركات العقارية التي كانت تربطهم بالبنوك المنافسة في الإقراض بفوائدة عالية ! ثم بدا لتلك البنوك أن تستغل الظرف الذي لا يتكرر كثيرا، فلم تكتف بجني الفوائد المرتفعة التي رتبتها على أولئك الأمريكيين البسطاء بل قامت بتوليد عملية تجارية أخرى أساسها الفوائد التي تثقل كاهل المشتري، فحولت ديونهم إلى أسهم و قامت بالترويج لها ثم باعتها للمستثمرين الذين يريدون أن يأخذوا نصيبهم من تلك الضحية، - محولة المخاطر إليهم-و قد أدى هذا الإقبال إلى أن يزدهر العقار وارتفعت أثمانه في الأسواق مما قضى على تردد المترددين من الانخراط في سوق الرهن العقاري، فارتقعت الأثمان أكثر فأكثر و ازداد الرواج في ذلك القطاع بشكل غير معقول مما حدا بالمستثمرين في تلك الديون أن يرهنوا أسهمهم لدى بنوك أخرى منافسة فحصلوا على قروض إضافية أخرى لشراء مزيد من الأسهم العقارية ! و المشكلة هي أن كثيرا من البنوك دفعها شرهها و حمى المنافسة الشرسة إلى إغراء المستثمرين بسخاء في الإقراض بلغ أحيانا إلى 50 ضعفا من قيمة الرهن الذي يحصلون عليه من المستثمرين !
ثم إن الذين أكملوا سنتهم الثالثة في دفع الأقساط بنجاح قام كثير منهم برهن جزء من البيت الذي فيه يدفعون، لدى بنوك أخرى و حصلوا في مقابل ذلك على قروض إضافية لحاجاتهم الأخرى كالعطل و السيارات الجديدة .
و دخلت شركات التأمين على الخط، فقد اصطادت المتخوفين من أي انهيار مفاجئ أو أي انفجار لتك الفقاعة الواقعة في مهب عواصف الجشع و المغامرات الطائشة، فروجوا لعروضهم التأمينية على الأسهم، فكل من يخاف أن تنهار قيمة الأسهم في يديه عليه أن يدفع لشركات التأمين قدرا معينا من الدولارات على كل سهم، فإذا ما انهارت أسعار الأسهم أخذوا تعويضا مساويا لقيمتها في السوق قبل الانهيار !
و هكذا نرى بوضوح تام أن كل تلك العمليات التجارية و المضاربات المالية قد تولدت عن بيع الدين الأصلي الذي هو في ذمة ذلك الموظف أو العامل البسيط ثم تناسل بعد أن ولّدت منه الشركات المضاربة ديونا أخرى و باعتها في الأسواق المالية و أسواق القيم. و هكذا أصبح الكل يتوهم أن ذلك البيت الذي تورط ذلك العامل البسيط أو الموظف في شرائه هو بيته فالعامل يحلم بأنه بيته و الشركة العقارية ترى أنها تملك البيت ما دام المشتري لم يستوف بعد سداد ديونه و فوائدها المتناسلة، و البنك الذي أقرض المال يحسب أن البيت بيته ما لم يستوف كل الديون، و المستثمرون الحاملين لأسهم ذلك الدين الذي اشتروه في صورة أسهم يعتقدون أن هناك بيتا في مكان ما يدعم تلك الأسهم، و الذي أقرض المغامرين الذين رهنوا أجزاء من بيوتهم الافتراضية يعتقدون أن هناك بيتا ما يدعم تلك القروض ! و هكذا تنوعت الحيل و العلة واحدة و هي بيع الدين بالدين و هو من أشد أنواع البيوع تحريما في الإسلام لما يترتب عليه من مفاسد و ضياع للحقوق و أكل لأموال الناس بالباطل.
و لكي نفهم مدى عمق المشكلة و آثارها على الاقتصاد ليس الأمريكي وحده بل العالمي، فإن الذين اشتروا تلك الديون من المستثمرين لم يكونوا أمريكيين فحسب بل كان فيهم مآت الآلاف من المستثمرين الأجانب بمن فيهم مستثمرين عرب خصوصا الخليجيين منهم. و لذلك فعندما انفجرت فقاعة الرهن العقاري على الأرض الأمريكية و أطاح زلزالها بصروح اقتصادية عاتية فإن الاهتزازت الارتدادية قد صدعت جدران كثير من الكيانات الاقتصادية للمستثمرين الأجانب.











